15: نحو ما لم يُسمَّ بعد
في عام 2011 تأسّست اتّجاهات – ثقافة مستقلّة لتكون مؤسّسة تسهم في دعم العمل الثقافي والإبداعي السوري، وصاغت رؤيتها للسعي إلى سوريا متعدّدة، ومتنوّعة، ومنتجة فكريّاً، وأصيلة فنيّاً وتؤمن بالثقافة كحق لكل مواطن ومواطنة سوريّين. ساهمت اتّجاهات في أن يكون القطاع الثقافي المستقل ديناميكيّاً في تفاعله مع محيطه الاجتماعي، ويرتكز على الإبداع كوسيلة للتغيير، وليدرك متلقو الفنون أنّ الثقافة هي قوّة دفع إيجابيّة في حياتهم.
بدأت المؤسّسة عملها في دمشق بالتزامن مع انطلاق الثورة السوريّة، وفي عام 2013 اضطر فريقها إلى الانتقال إلى بيروت ليتمكّن من الاستمرار في العمل. وشكّل هذا الانتقال ولادةً ثانيةً للمؤسّسة، إذ مَوْضَعها في سياق إقليمي، وضمن أطرٍ رسمت مسارات المنطقة العربيّة وتحوّلاتها الهائلة خلال عقدٍ ونصف من الزمن: توسعّت سوريا خارج حدودها الجغرافية، وتوسّعت مهمّة المؤسّسة لتشمل السوريّين والسوريّات أينما وُجدوا، ثمّ أضافت لدورها العمل مع منطقة المشرق العربي والمهجر لفهمها معنى العمل الإقليمي في منطقة شديدة الترابط حيث يتقاطع المحلي بالإقليمي ويغذي الإقليمي الواقع المحلي، وللإيمان بقوّة التضامن وتشارك التعلّم.
لم تكن الفنون يوماً هامشاً في هذه المنطقة، كانت دائماً المختبر الذي تولد فيه الأسئلة قبل أن تجد طريقها إلى الفضاء العام، وخلال السنوات الماضية التزم الإنتاج الثقافي والفني في المنطقة العربية بأدوار أصيلة وأخرى استجدّت ورافقت ثورات وانتفاضات شعوبها؛ وتفاعل القطاع الثقافي مع تحوّلات عميقة وعنيفة في مفاصل الحياة العامّة، ووجد نفسه أمام أوضاعٍ تتقاطع فيها الأزمات الإنسانيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، مع الكوارث البيئيّة والصحيّة. وفي مواجهة السرديّات المُنمِّطة التي تُفقر المنطقة من تعدّديتها وتُهمّش أصواتها الحيّة، وجد القطاع الثقافي نفسه يمارس دوره ضمن سعي شعوب المنطقة للحريّة والديمقراطيّة والكرامة، وراهن على اتّساع مساحات التضامن بين عامليه وضمن الشعوب، ووسّع مجالات العمل العابر للقطاعات. ومع تدفّق الأعوام والأزمات واتّساعها قام العديد من العاملين في القطاع الثقافي بمراجعات فكريّة حول معنى عملهم وجدواه، وعلاقتهم مع المجتمعات في أزمنة اللجوء، والتهجير، والإبادة، والهدم، وتفتّت الدول.
خلال هذا الزمن المتوهّج حاولت اتّجاهات من جهتها، التأمّل قدر الإمكان بدورها كمؤسّسة وسيطة ثقافيّة تلعب أدواراً متنوّعة، ومعنى هذا الدور في السياق السوري ومن أجله، وكيف يمكن أن توازن المؤسّسة بين أولويّة هذا الدور وأدوارها في البلدان المحيطة والمهجر. وضمن هذه المراجعة الممتدة أدركت المؤسّسة أنّ الأزمات كما الأزمنة المضطربة هي الواقع اليومي الجديد، وأنّ مواجهة تضاؤل مساحات العدالة وانزياح الصراعات في سوريا وكثيرٍ من بلدان المنطقة نحو صراعاتٍ ممتدّة هو الفهم الأنضج للانطلاق بالعمل. انعكس ذلك من خلال أدوار جديدة عملت المؤسّسة على إضافتها داخل سوريا، والإصرار على قوّة الفنون التحويليّة، واستمرار دعم إنتاج الفنون في الحياة العامّة وضمان وجود هياكل مستقلّة لإنتاجها، وترويجها، وتوزيعها، وعبر خلق سياقات لإنتاج البحوث والمعرفة، وإدراج مداخل للعمل على التراث وأدواره على مستوى تعزيز التماسك الاجتماعي، وحماية التنوّع، وتعزيز مساحات الابتكار، وتصميم برامج دعمٍ وتضامن في لبنان وفلسطين والمنطقة العربية. وأخرى مخصّصة للفنّانين المنتقلين من المنطقة العربيّة إلى أوروبا، إضافة إلى توسيع أطر الحماية والسلامة للعاملين في القطاعين: الثقافي والفني، وتوسيع قاعدة المستفيدين لتضم فئات مهمّشة اجتماعيّاً واقتصاديّاً، والحضور بشكلٍ أكبر ضمن الفضاءين: الرقمي والعام، ورفض التطبيع مع استحالة التغيير في سوريا والمنطقة العربية.
خلال هذه السنوات، راكمت اتجاهات تجربةً ميدانيّةً في أصعب الظروف: دعمت إنتاج أعمال فنيّة وثقافيّة داخل سوريا حين كان الحضور فيها مجازفةً، ودعمت فنّانين ومثقّفين في لحظات الانكشاف القصوى، وبنت شراكات إقليميّةً ودوليّةً لضمان استمرار الصوت الثقافي السوري – كما الصوت القادم من المنطقة العربية- في المنفى. وفي كل محطّة قاد اتجاهات فريقٌ متنوعٌ وحريصٌ على الجمع بين الفكر والفعل: بحثاً ينبثق من الواقع، وإنتاجاً يُغذّي الإصرار، وتضامناً يرفض أن تكون الممارسة الثقافية هامشاً في زمن الكوارث.
انتهى عام 2024 مع أمل كبير بتغيير منتظر في سوريا، قادته جهود آلاف المناضلين وراح ضحيّته آلاف آخرون من الفاعلين والأبرياء، وبدا أنّ السوريّين استعادوا فضاءهم العام وأنّ الفنون والثقافة والتراث قادرة على أن تكون جزءاً من أولويّات سوريا اليوم من خلال مساهمتها في ممارسة خيال جديد عنها، وأدوارها في جهود العدالة الانتقاليّة، والسلم الأهلي، والتماسك الاجتماعي، والحق بدولة حاضنة لكل مواطنيها. وبدا لنا أنّ هناك فرصة تاريخيّة لتفكيك التشرذم وتخفيف الانقسامات ضمن القطاع الثقافي، وأنّ لحظة "الحاضر" بغناها وثقلها يمكن التعاطي معها لابتكار غدٍ أفضل.
إلّا أنّ مسار الانتقال كما نبتغيه لا يزال مفخخاً بأزمات مستجدّة، ويرافقه انقسامات وشروخٍ بين الكثير من مواطني البلد، كل ذلك ضمن مناخٍ إقليمي عاصفٍ وعلى وقع حروب متجدّدة. واقع الحال أنّ ثمّة جهوداً ملحّةً للعمل على أولويّات سوريا، والسعي لضمان مساحة وحقوق كل مواطنيها وضمناً الثقافية، من دون إقصاء، أو استعلاء، ومواجهة العنف والانقسام والتوتّر الحاصل ضمن عديد المجتمعات السوريّة. وفي ظلّ هذا السياق يبقى الفن أحد الممرّات القليلة التي تحافظ على قدرة المجتمعات على تخيّل نفسها من جديد.
في السياق السوري تستدعي هذه اللّحظة مسارين متوازيَيْن: أولهما التفكر بنقديّة أعمق تجاه ما حدث وما مضى، وبناء تعلّمٍ عليه من دون التسرّع في الخلاصات، والثاني إعادةُ تخيّل جذريّة لسوريا المستقبل، واشتباك ثقافيّ مع الغد وأسئلته، كي يرافق مسار التغيير العام بالاعتماد على قوّة الفن في تحسين شروط الحاضر، وهذا التخيّل لا يمكن أن يكتفي بما اختبرناه وما تعلّمنا، إنّما يحتاج إلى أدواتٍ جديدةٍ لم نألفها بعد، ومنصّات للبحث المعمّق الحرّ، والتفكير الإبداعي، والتجريب المتخفِّف من خبرات المألوف.
وفي السياق الإقليمي هناك حاجة للمساهمة في تعلّم وفهم ومناقشة كيفيّة إعادة تشكّل المنطقة، واستكشاف مسارات أخرى لهذا التفكّر خارج منطق العسكرة والسلاح والترهيب والذي يهيمن بأكثر الأطر عبثيّةً، ورفض تهميش وإسكات الفاعلين المدنيّين في سعيهم للحق في الكرامة، والعدالة، والديمقراطيّة.
وفي السياق الدولي هناك ضرورة للنظر في ارتدادات تحوّل العالم إلى مساحة يزداد إظلامها مع فائض القوّة، ومع تفكّكٍ مستمر لقيم المساءلة والحوكمة، وتراجع الاهتمام بالمؤسّسات بمعناه الواسع واستبدلها بهياكلَ أخرى لاحتكار النفوذ والموارد والسرديّة، والتي تقصي كل ما لا يتّسق مع قواعدها الجديدة والمفروضة بقوّة الأمر.
ضمن هذه السياقات تقارب اتّجاهات ذكرى تأسيسها الخامسة عشرة، وعلى وقع حربٍ جديدةٍ تدميرية على لبنان حيث يقيم أغلب فريق عملها، وضمن هذا الواقع المزدحم بتعقيد الحاضر، تُساءل المؤسّسة مكانها ودورها، تجاه القطاع الثقافي والفني الذي تعمل ضمنه ومن أجله. وفي هذه الذكرى ومع تسارع الاضطرابات تستمر المؤسّسة في التفكير كيف يمكن أن تبقى راهنة، وتحتفل بما أنجزه القطاع الثقافي السوري، كما تحتفل بروابط العمل الإقليمي وأهميّته في النجاة، وتحتفل بأصوات المهجر شديدة الالتصاق بما يحدث في منطقتنا. ومن هنا تنتظم هذه الذكرى وفق مساراتٍ متوازية ومتقاطعة -يتم الإعلان عن تفاصيلها لاحقاً- تتشارك في روحٍ واحدة: السعي لحضور حقيقي، ومستدام، ومنتِج.
خمسة عشر عاماً وسؤالنا واحدٌ: كيف تبقى الثقافة والفنون قوّةً حقيقيّةً في حياة الناس؟ نجدّد اليوم أدواتنا للإجابة عنه: شكلٌ جديد، وسعيٌ قديم، ودورٌ مستمر.
اتجاهات – ثقافة مستقلة: في صميم التغيير
