وثيقة بصرية ترصد مشاهد الجمهرة في سوريا المعاصرة.. كتيّب فني لمحمد عمران

Aug 2017

يعمل الفنان محمد عمران، أحد مستفيدي الدورة الثالثة من برنامج مختبر الفنون، على مشروع جمهرة، وهو عبارة عن كتيب فني يعيد إنتاج صورة الحشد في سوريا، منذ ثمانينات القرن الماضي حتى وقتنا الحاضر، بطريقة فنية مرتكزاً على الرسم كتقنية للتنفيذ وعلى النص المكتوب الذي يقدم للرسم ويعرف بالحدث.

عن الفكرة والأسلوب الفني ومشاهد الجمهرة المختارة والمرحلة التي وصل إليها تنفيذ المشروع يتشارك معنا محمد عمران السطور التالية.

 

يشكل مفهوم الحشد أو الجمهرة، بالنسة لي، موضوعاً مغرياً ومادة ملهمة على مستوى التشكيل. فمنذ بداية انشغالي على العنصر الإنساني، سواء في النحت أو في الرسم، ومفهوم الجماعة حاضر في أعمالي كما في مجموعة جمهور 2005/2006 ولاحقاً مجموعة انتظار 2015/2016.

من هنا أتت الرغبة في إنتاج مشروع الكتيّب الفني جمهرة ليشكل، بشكل أو بآخر، استمراراً لمشروعي الفني الشخصي.

قمت باختيار لهذا الكتيب مجموعة مشاهد تجسد فكرة الحشد، تتيح للمتلقي التعرف على تاريخ سوريا المعاصر من خلال حامل الجمهرة بوصفها التعبير الأكثر اقتراباً لمفهوم الجماعة.

ارتبطت صورة الجمهرة، في أذهاننا مؤخراً بفكرة الاحتجاج وخاصةً بعد الانتفاضات العربية. هناك سحر في حالة المظاهرة فهي تمنح الفرد شعوراً بالقوة والانتماء المتين للجماعة والمكان. لذلك فإن حالات مثل المظاهرة والتشييع خلال الفترة السلمية بداية الانتفاضة في سوريا عام 2011 هي من المشاهد الحاضرة في مشروعي.

في سوريا ما قبل الثورة، مثلاً، كانت الجماهير تحتشد مكرهةً، أغلب الأحيان، كما في  مشاهد تجديد البيعة والاحتفال بالأعياد الوطنية أو لاستقبال رئيس دولة ما كزيارة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك إلى سوريا نهاية الألفية الثانية. لذلك قمت باختيار بعض من تلك المشاهد للكتاب كحالة الجمهرة أثناء جنازة الرئيس السابق.

من فترة الثمانينات قمت باختيار مشاهد كالمؤتمرات الحزبية والطلابية وأيضاً التجمعات على أبواب المؤسسات الاستهلاكية ومراكز توزيع المواد الأولية والغاز فترة الحصار. المشهد الذي يتكرر خلال فترة الحرب الحالية. كما يتضمن الكتيّب، أيضاً، مشاهد أكثر عنفاً وتراجيدية كالنزوح أو مشاهد الإعدامات في الساحات العامة في المدن التي تحتلها الجماعات الدينينة الراديكالية كجبهة النصرة وداعش. من جانب آخر قمت باختيار مشاهد مرحة وذات صلة، بشكل أو بآخر، بمفهوم الجمهرة  في المجتمع السوري المعاصر كالتجمعات أثناء الصيف في منطقة الجندي المجهول أو ما يعرف بالسيران. بالإضافة إلى التجمعات فترة الأعياد.

اعتمدت على المبالغة التعبيرية كأسلوب فني من دون أن أتطرف باتجاه الكاريكاتير أو الرسوم التوضيحية، فالغاية من المشروع هي إنتاج أعمال فينة ذات قيمة تشكيلية في المقام الأول. فالرسوم الموضوعة في المغلف تعبّر عن رؤية متخيلة موازية للواقع، تستند، في الوقت ذاته، إلى مرجعيات بصرية (صور/فيديو) وليس تعليقاً مباشراً على الأحداث.

سيتضمن مشروع جمهرة، بالإضافة إلى الرسوم، نصوصاً قصيرة مهمتها التعريف والتقديم للحدث. النصوص عبارة عن شهادات خاصة قمت بجمعها أثناء التحضير لبناء المشاهد. الآن أنا في طور صياغتها لتتماشى مع روح الرسم وترجمتها أيضاً إلى اللغتين الفرنسية والانكليزية لتكون متاحة أيضاً للجمهور غير الناطق بالعربية .

أتطلع من خلال مشروع جمهرة لإنتاج وثيقة بصرية تشكيلية مختلفة، توثق لمشاهد التجمعات في سوريا المعاصرة. تعرّف هذه الوثيقة الفنية بالمجتمع السوري المعاصر من خلال حالة الجمهرة وتسلط الضوء على مفهوم الجماعة، دلالاته وتبدلاته منذ ثمانينات القرن الماضي حتى وقتنا الحاضر. هي محاولة في البحث عن تلك المساحة بين الواقعي والمتخيل وطريقة لسرد أحداث تاريخية ورصد حالات اجتماعية محلية.

قمت بإنجار خمس أعمال (نصف المجموعة) بقياس 65*50 سم، معتمداً، كما ذكرت سابقاً، على الرسم على الورق كنوع فني وعلى أقلام التحبير لرسم الأشكال والأحبار الصينية والمائية (أكواريل) بالإضافة إلى الصباغات البلاستيكية (أكريليك) للتلوين.

أستعد في هذه المرحلة لإنهاء القسم الأول من المشروع وهو إنجاز الرسوم المتبقية وعددها خمسة بالإضافة لتحضير النصوص المرافقة لها ليكون بمقدوري البدء في الطور الثاني من "جمهرة" و هو اعتماد الهوية البصرية للمغلف/ العلبة والبدء بعمليات الطباعة (سأستعين في هذه المرحلة بمصمم غرافيك).

محمد عمران

مواليد دمشق عام 1979. خريج قسم النحت في كلية الفنون الجميلة - جامعة دمشق عام 2000. خريج دراسات عليا من نفس القسم عام 2002. حاصل على شهادة ماستر2 في تاريخ الفن المعاصر من كلية ليون الثانية في فرنسا عام 2009. مشارك في العديد من المعارض الفردية والجماعية في العالم العربي وأوروبا. أعماله مقتناة من قبل جهات عديدة خاصة وعامة منها: وزارة الثقافة في سوريا، المتحف الملكي في الأردن، مؤسسة أتاسي في دبي والمتحف البريطاني في لندن. دراساتان في الفن التشكيلي. الأولى تحت عنوان ماهر البارودي، فنان بين ثقافتين،  والثانية صورة الجسد المعذب في الفن التشكيلي السوري المعاصر والتي أنتجت بدعم من اتجاهات- ثقافة مستقلة. 


الحقوق محفوظة اتجاهات- ثقافة مستقلة 2017
تم دعم تأسيس اتجاهات. ثقافة مستقلة بمنحة من برنامج عبارة - مؤسسة المورد الثقافي