الفيلم الوثائقي السوري: جماليات يمليها الموقف الأخلاقي بقلم نيكولا أبيت

Oct 2017

بقلم نيكولا أبيت، طالب دكتوراه، جامعة جنيف.

تنشر اتجاهات، ضمن برنامج أولويات العمل الثقافي السوري، سلسلة من مقالات الرأي بأقلام مجموعة من الخبراء والفاعلين الثقافيين السوريين وغير السوريين. يهدف هذا النشاط إلى تسليط الضوء على مجموعة من القضايا والتحديات التي تواجه العمل الثقافي السوري.

في المحور الأول، تتناول مجموعة من المقالات علاقة المضمون الفني مع الحدث العام ومفهوم الرسالة.

من يحدد اليوم عدد وطبيعة المعايير الفنية التي تحكم العملية الإبداعية السورية؟ ما هي خطوط ومحددات الرقابة الجديدة على الأعمال الفنية داخل سوريا وخارجها؟ كيف يمكننا استعراض حالات مشابهة من العالم والاستفادة منها؟

يجيب السيد نيكولا أبيت، طالب دكتوراه، جامعة جنيف، على هذه الأسئلة عبر مقالة خاصة لموقع اتجاهات.

تناول العديد من الأفلام الوثائقية التي أُنتِجت مؤخرًا الأزمة السورية، مثل صرخات من سوريا (يفغيني أفينيفسكي، 2017) أو القبعات البيض (أورلاندو فون أينسيدل، 2016) أو غاندي الصغير (سام قاضي، 2016). إلا أن هذه الأفلام الوثائقية -التي أنتجتها قنوات تلفزيونية أجنبية في بعض الأحيان، مثل نتفلكس (القبعات البيض) وإتش بي أو (صرخات من سوريا)، ومن إخراج مخرجين تعاملوا مع الفريق الفني السوري عبر سكايب (غاندي الصغير)- اتّبعت أسلوبًا سرديًا يشبه أسلوب الأفلام التجارية الشهيرة، حيث تلعب الموسيقى والمونتاج على عواطف المشاهد، وتتضمن الأفلام الإعلانية لهذه الأفلام كافة المكونات العاطفية التقليدية المعروفة. في الوقت نفسه، تجمع هذه الأفلام الوثائقية شهادات تشرح ما يجري في البلاد. ويؤدي هذا البعد التعليمي دور أداة سردية، لأنه يحدد بنية الفيلم الوثائقي، إلا أن هذا البعد يلعب دورًا آخر هو تعريف الجمهور الغربي بما يجري. ويوضح تصريح المخرج يفغيني أفينيفسكي هذا الاستعداد لدى المخرجين لتوجيه المشاهدين نحو عواطف محددة:

هدفي كراوٍ للقصص هو أن أنقل الجمهور الغربي إلى قلب الحدث في سوريا، أن أتيح المجال أمامهم للشعور بما يشعر به هؤلاء الفتية عندما يفقدون آباءهم وأمهاتهم، وبما تشعر به الأمهات حين يفقدن أطفالهن. أريد أن أتيح المجال أمام الجمهور ليذهب في هذه الرحلة نحو الجانب المظلم من الإنسانية، ليفهم ما يدفع هؤلاء الناس إلى الهرب والبحث عن ملاذ.

لكن أفلامًا وثائقية عديدة صُوِّرت منذ آذار/مارس 2011، بُنيت بشكل مختلف كليًا، لا يعتمد على رواية القصص. خارج سيطرة ورقابة النظام السوري، يصنع المخرجون الشباب أفلامهم بإمكانيات متواضعة، ما يجعل الجماليات أقل أهمية من البعد الأخلاقي. لقد طورت هذه الأفلام نهجًا شاملًا يحاول عبره المخرجون فهم الظروف التي تمر بها سوريا من خلال متابعة تجارب الأفراد. وهذا يستدعي سؤالًا أخلاقيًا حول كيفية تصوير وتقديم هؤلاء الأفراد. وهذا السؤال يشغل موقعًا مركزيًا في الفيلم الوثائقي السوري. على سبيل المثال، في بعض الحالات، يؤثر الأمان الشخصي للأشخاص الذين يظهرون في الأفلام الوثائقية على البنية الجمالية للأفلام، سعيًا للحفاظ على هويتهم مجهولةً. لذلك، لا نرى سوى عيون وأيدي الشابة التي تعارض النظام بأغنياتها ومشاركتها في مظاهرات المعارضة، بلقطات قريبة جدًا في مخاوف الصباح، هتافات الليل (ديانا الجيرودي وغيفارا نمر، باسم سلمى الديري ورولا لاذقاني، 2012).

ولكن، في الوقت نفسه، يمنح هذا القُرب -الحاضر في العديد من الأفلام الوثائقية التي صُوّرت في ظروف خطيرة- أهمية خاصة للأشخاص الذين يتم تصويرهم، فهم يحتلون الكادر كاملًا بلقطات قريبة، أو يحتلون شاشة الكمبيوتر التي يظنها المشاهد أحيانًا الكاميرا عندما تُصوَّر الشخصيات عبر السكايب، كما في فيلم مسكون (لواء يازجي، 2014). على سبيل المثال، يحاول زياد كلثوم أن يفهم الحالة الفصامية التي يمر بها هو، وجزء من المجتمع، من خلال تفاعله مع أعضاء من فريق فيلم لمحمد ملص (من ممثلين وفنيين)، عمل فيه زياد كمساعد مخرج، أو مع المارة الذين يتابعون تصوير الفيلم. كيف يمكنه أن يتابع حياته وعمله بشكل طبيعي حين تتعرض ضواحي دمشق، دوما على وجه التحديد، إلى القصف والتدمير؟ إحدى الشخصيات التي يتحدث إليها زياد امرأة مسنة آتية من حمص، مُكلَّفة بقول جملتين فقط في فيلم ملص، من دون أن تظهر على الشاشة. في فيلم زياد كلثوم الرقيب الخالد (2014)، يمنحها المشهد الذي تظهر فيه أهمية كبيرة، فهي تشغل كادر الكاميرا بكامله، وتملأ صمت المشهد. ويمنح تواضع اللقطة للمشهد شحنة عاطفية قوية.

في المقابل، في بعض الأفلام الوثائقية التي صُوِّرت خارج سوريا، مثل على حافة الحياة (ياسر قصاب، 2017)، يمنح المونتاج -الذي يمزج بين مقاطع من المحادثات مع صور لأماكن في تركيا- وزنًا إضافيًا للغائبين الذين ظلوا في سوريا، والتي تلاحق أصواتهم الفيلم. لذلك، ثمة إشراك مزدوج: فمن جهة، يشترك المخرج في الحدث عندما يخاطبه الأشخاص في الفيلم، ومن جهة أخرى يشترك الجمهور عندما تخاطب الشخصيات الكاميرا. وهكذا يتعزز القرب: في فيلم 300 ميل (عروة المقداد، 2016)، يصبح المخرج عروة المقداد هو من توجَّه إليه الأسئلة في لقاءاته مع شخصياته، ولاسيما حين يرفض أبو يعرب الإجابة على أسئلته ويطلب منه هو الإجابة.

من المهم أن نضيف أنه بالرغم من أن الحالة الطارئة، ومدة التصوير الطويلة الممتدة على عدة أشهر أو عدة سنوات -كما في مسكون وبلدنا الرهيب (علي الأتاسي وزياد حمصي، 2014) و300 ميل والعودة إلى حمص (طلال ديركي، 2014) وعرض الحرب (عبيدة زيتون وأندرياس دالسغارد، 2016)، و194، نحن أطفال المخيم (سامر سلامة، 2017)- تشكل شهادةً إضافية على أخلاقيات صناعة الأفلام مع السوريين، لا عنهم فحسب. وتنعكس هذه النقطة الأخيرة في طريقة ظهور المخرجين على الشاشة، حتى لو كان ذلك بإظهار ظلهم فقط كما الرقيب الخالد، وهو الأمر الذي يظهر استعدادهم لأن يكونوا جزءًا من الموضوع الذي يصورونه، لا مجرد شهود عليه. على سبيل المثال، يتابع الفيلم الوثائقي هوم (رأفت الزاقوت، 2015) انخراط المخرج مع فرقة مسرحية من الهواة تعد عرضًا مسرحيًا لسكان منبج. وبمشاركته في هذه المساحة الإبداعية، يتشاطر المخرج مع مجموعة من أصدقائه الأسئلة والشكوك حول تطور الوضع في سوريا.

يمكننا أيضًا أن نرى ما وراء هذا القرب، ومدة التصوير الطويلة، والمعاني القابعة خلف الكاميرا. إنها محاولة لفهم كيف وصلت سوريا إلى ظرف كهذا، وكيف يُختَبر هذا الظرف خارج البلاد، في سياق يمزج التاريخ الشخصي للأفراد مع تاريخ البلاد. وهكذا في 300 ميل، يشرح عروة المقداد بالصوت المسجل في بداية فيلمه الوثائقي أنه يحاول فهم ما يجري في بلاده. كذلك، يضع الحالة السورية ضمن سياق تاريخي إقليمي أوسع، من خلال تاريخ عائلته، مخاطبًا ابنة أخيه نور. ومن خلال مجموعة من الأصدقاء المقيمين في مخيم اليرموك، يتناول فيلم 194، نحن أطفال المخيم المسألة الفلسطينية وكيفية استخدام النظام السوري لها.

وفي فيلمه الوثائقي منازل بلا أبواب (2016)، يوازي آفو كابرياليان بين الأزمة التي تعصف بسوريا اليوم ومذبحة الأرمن عام 1915، من خلال مونتاج يتضمن صورًا من كلاسيكيات السينما. وبصوره الملتقطة، في غالبها، في شقة أو من الشرفة، يمكن رؤية هذا الفيلم كاستعارة للسجن الذي وجد جزء من السكان أنفسهم فيه. والشقة التي صُوِّر فيها فيلم كوما (سارة فتاحي، 2015) ترمز إلى السجن أيضًا، وإلى توقعات جزء من المجتمع السوري، وذلك من خلال تجربة المخرجة الشخصية وتجربة والدتها وجدتها، اللواتي بقين في شقة في دمشق. في هذين الفيلمين، ثمة عناصر جمالية عدة من تلك المذكورة آنفًا فرضتها ظروف التصوير: القرب داخل الشقة، والمسافة القصيرة التي تفصل الكاميرا عن موضوعها، وظهور المخرج في الفيلم، من خلال الحوار أو بالظهور أمام الكاميرا. وهكذا، وعلى عكس أفلام مثل صرخات من سوريا -الذي يتضمن مشاهد عديدة لمقابلات مع سوريين وجهًا لوجه تؤدي وظيفة سردية هي شرح الأحداث- تمنح الأفلام الوثائقية المذكورة كافة الأولوية للحياة اليومية للأفراد، أو التزامهم، عبر كاميرا تلتقط لحظات متفرقة من الحياة.

يوثّق هذا القرب للممارسات الاجتماعية، والالتزامات السياسية أو مشاهد الحياة اليومية، وفي الوقت نفسه، يحافظ على مسافة يفرضها السلوك الأخلاقي أحيانًا. في 300 ميل على سبيل المثال، لا يصور عروة المقداد لقطة قريبة لأبي يعرب حين يصل إلى جبهة القتال، ويحيي المقاتلين الآخرين في الفصيل، وكأنه يحافظ على لحظة الهدوء تلك. وبالمثل، يخلق المونتاج مع المشاهد المصورة في درعا شعورًا بالتطابق مع ما يجري في حلب، ما يوحي أن قائد أحد المجموعات المقاتلة لديه حياة عائلية، ولكنها لا تظهر على الشاشة. أخيرًا، في واحد من المشاهد، صورت الكاميرا أبا يعرب وهو يبتعد وحيدًا في الضباب، وكأن الكاميرا تحترم حاجته إلى العزلة، وتشي في الوقت نفسه بلحظة من التعب والشك. في المقابل، وفي مشهد على الجبهة، يخالف المخرج أمرًا بالمغادرة، ولكنه يوقف التصوير.

ثمة حدود أخلاقية إذًا لما يمكن إظهاره. ويحضر هذان العنصران أيضًا في فيلم طعم الإسمنت (زياد كلثوم، 2017). فزياد كلثوم لا يصور عمال البناء يائسين، بل يصور رجالًا ذوي قيمة يهتمون بمظهرهم على أعلى سطوح ناطحات السحاب. البشر الوحيدون الذين يظهرون على الشاشة، فيما يمر سيل لا ينقطع من السيارات، ينهزم تحت أقدامهم. أما اللقطات التي تصورهم نائمين في قبو المبنى، فهي بعيدة لتحترم شكلًا من أشكال الخصوصية. وبشكل مماثل، يدخل زياد كلثوم في فيلمه الوثائقي لقطات للدمار، ولكنها لا تحتوي صورًا لجثث. تتيح هذه الصور للمشاهد أن يفهم تلك الدائرة من الإعمار والتدمير، التي تحكم بإيقاعها حياة هؤلاء العمال وتاريخ جزء من المنطقة. ويتناول الفيلم أيضًا اختفاء الأقارب بتواضع كبير، يختلط مع أسئلة المنفى والذاكرة والنسيان من دون عرض صور الجثث، كما في حافة الحياة أو في غامض (سؤدد كعدان، 2017)، الذي يرفض فيه صبي فتي يافع في لبنان أن يفصح عن أصله، مدينة درعا، لأنها ارتبطت بموت أخيه.

وفي ختام هذه النظرة العامة الموجزة للإبداع السينمائي، يمكن رؤية صناع الأفلام الشباب كسائرين على الحبال فوق مرتفعات عالية. فهم، من جهة، مضطرون لمواجهة القيود المرتبطة بالوضع السوري، الذي يلقي بظلاله على التصوير حتى خارج البلاد، وحتى إذا كانت الظروف أقل أهمية. ومن جهة أخرى، يصنعون في أفلامهم جماليات جديدة تحترم أمان الأشخاص الذين يظهرون في الفيلم، ونزاهتهم الأخلاقية.

وعدا عن الرابط بين الأخلاق والجماليات، تطرح الأفلام سؤال المشاركة. إن مشاركة عروة المقداد شخصيًا للمقاتلين وقوفهم على الجبهة شهادة مباشرة على التزام المخرج بأنه لا يختلف عن الأشخاص الذين يصورهم. وفقًا لما يقوله عروة، يحدث هذا في مواجهة الفصل الذي أراد النظام إرساءه بين "الشعب" و"المثقفين". وبشكل عام، تطرح هذه الأفلام التي يرويها مخرجوها، ويظهرون أمام الكاميرا فيها أو يتفاعلون مع شخصياتهم من خلفها، أسئلة تتجاوز الحالات الفردية التي تعرضها، وبالتالي، تساهم في صياغة الذاكرة الجمعية للمأساة السورية.


الحقوق محفوظة اتجاهات- ثقافة مستقلة 2017
تم دعم تأسيس اتجاهات. ثقافة مستقلة بمنحة من برنامج عبارة - مؤسسة المورد الثقافي